سيف الدين الآمدي

138

أبكار الأفكار في أصول الدين

قولهم : من الجائز أن يكون قد تأتى ذلك للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - في مدة مديدة لا يتأتى لأبلغ بليغ الإتيان بمثله في دونها . قلنا : عنه جوابان : الأول : أنّه لو كان كما ذكروه فيعلم أنه قد مضى على العرب من وقت بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحديه بالقرآن إلى حين وفاته ما يناهز عشرين سنة ، وهذه المدة وإن تعذر على البليغ الاتيان بمثل جملة القرآن فيها ؛ فلا يمتنع أن يأتي فيها بمثل عشر سور منه أو بسورة من سوره ، مع تحديه عليهم بمثل ذلك . قولهم : يحتمل أنهم لم يأتوا بذلك لعدم اصطبارهم على مكابدة ما يلزم من معاناته من المشقة . قلنا : هذا خلاف المعلوم من العادة ؛ فلا يقدح فيه . الثاني : أنه لو كان كما ذكروه ؛ لكان ذلك أبلغ حجة للعرب في إبطال تحديه . وقالوا : أنت / قد أتيت به في مدة لا يتسع للبليغ أن يأتي بمثله فيما دونها ، فأمهل علينا مثل تلك المدة ؛ لنعارضك بمثله ، ولا يخفى ما فيه من إفحامه إلى تمام تلك المدة وإبطال حجته فيها ؛ ولم ينقل عنهم شيء من ذلك . قولهم : إنّما لم يعارضوه ، لأنهم ما كانوا عالمين بما يشتمل عليه القرآن من سير الأولين ، والمسائل الإلهية النظرية ؛ ليس كذلك ، فإن أكثر العرب كانوا يهودا ، ونصارى . وما كانوا جاهلين بهذه الأمور . وبتقدير أن يكونوا جاهلين بذلك ، فتحديه عليهم بالقرآن مع عدم إتيانهم بمثله يدل على عجزهم عنه ، وإلا فلو كانوا قادرين على ذلك لاستحال بالنظر إلى العادة ألا يعارضوه كما سبق . قولهم : إنما طلب منهم الإتيان بمثله من عند الله - تعالى - ليس كذلك ، فإن آيات التحدي على ما عرف لم يتعرض فيها لشيء من ذلك ، وبتقدير أن يكون المطلوب منهم أن يأتوا بمثل القرآن من عند الله - تعالى - فلو كانوا قادرين على الإتيان بمثله ؛ لأمكن أن يدّعوا أنه من عند الله كدعواه أن ما أتى به من عند الله - تعالى .